الشيخ أحمد فريد المزيدي
16
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وقال عليّ بن الحسين : بعثني أبي إلى السري بشيء من حبّ السعال لسعال كان به ، فقال لي : كم ثمنه ؟ فقلت : لم يخبرني بشيء ! قال : اقرأ عليه السلام وقل له : نحن نعلّم الناس منذ خمسين سنة أن لا يأكلوا بأديانهم فترانا نأكل اليوم بديننا ؟ ولم يأخذه . قال السري : صليت وردي ليلة من الليالي ، ثم مددت رجلي في المحراب ، فنوديت يا سري كذا تجالس الملوك . قال : فضممت رجلي ، ثم قلت : وعزتك لا مددت رجلي أبدا . وروي أن السري لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها فأبطأت يوما ، فقال لها : لم أبطأت ؟ قالت : لأن غزلي ما اشترى ، وذكروا أنه مخلط ، فامتنع من أكل طعامها ، فدخلت عليه أخته يوما فرأت عجوزا تكنس بيته ، وقد حملت له رغيفين فخرجت شكته إلى أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه ، فقال أحمد ذلك للسري ، فقال : لما امتنعت من طعام أختي قيض اللّه لي الدنيا لتنفق علي وتخدمني . وقال : اعتللت بطرسوس علة الدرب فدخل علي فقراء القراء يعودوني وجلسوا فأطالوا فأذاني جلوسهم ، ثم قالوا : إن رأيت أن تدعو اللّه ! فمددت يدي وقلت : اللّهمّ علّمنا كيف نعود المرضى . وقال الجنيد : سمعت السري يقول : خفيت علي علة ثلاثين سنة ، وذلك أنا كنا جماعة نبكر على الجمعة ولنا أماكن معروفة بنا لا نكاد نخلو عنها ، فمات رجل من جيراننا يوم جمعة فأحببت أن أشيع جنازته فشيعتها وأصبحت قد تخلفت عن وقتي ثم جئت أريد الجمعة ، فلما قربت من الجامع قالت لي نفسي : الآن يرونك وقد أصبحت وتخلفت عن وقتك فشق ذلك علي ، فقلت لنفسي : أراك مرائية منذ ثلاثين سنة وأنالا أدري ، فتركت ذلك المكان الذي كنت أصلي فيه وجعلت أصلي من أماكن مختلفة ، لئلا يعرف مكاني ، وقضيت صلاة الجمعة ثلاثين سنة . وقال أيضا : دخلت يوما على السري فرأيته متغيرا فقلت : ما لك ؟ فقال : دخل علي شاب فسألني عن التوبة ؟ فقلت له : أن لا تنسى ذنبك ، فعارضني ، وقال : لا بل التوبة أن تنسى ذنبك ، فقلت : إن الأمر عندي على ما قاله الشاب ، فقال لم ؟ فقلت : لأني إذا كنت في حال الجفا ثم نقلني إلى حال الوفا ، فذكر الجفا في وقت الوفا خفا .